أحمد مطلوب
14
معجم المصطلحات البلاغية وتطورها
تختار واحدا منها لما يحصل فيه من مناسبة ما بعده وملاءمته » « 1 » . وقال الحموي : « هو أن يكون في الكلام معنى يصح معه هذا النوع ، ويأخذ عدة معان فيختار منها لفظة بينها وبين الكلام ائتلاف » « 2 » . وقال السيوطي : « أن تكون الألفاظ تلائم بعضها بعضا بأن يقرن الغريب بمثله والمتداول بمثله رعاية لحسن الجوار والمناسبة » « 3 » . وذكر المدني أنّ لهذا النوع تعريفين عند البديعيين : الأول : ما ذكره صفيّ الدين الحلّيّ وعليه أصحاب البديعيات وهو : « أن يكون في الكلام معنى يصحّ معه واحد من عدة معان فيختار منها ما بين لفظه وبين بعض الكلام ائتلاف وملاءمة وإن كان غيره يسدّ مسدّه » . كقول البحتري : كالقسيّ المعطّفات بل الأس * هم مبريّة بل الأوتار « 4 » فانّ تشبيه الإبل بالقسيّ من حيث هو كناية عن هزالها يصحّ معه تشبيهها بالعراجين والأهلّة والأطناب ونحوها ، فاختار من ذلك تشبيهها بالأسهم والأوتار لما بينهما وبين القسيّ من الملاءمة والائتلاف . الثاني : ما ذكره السيوطي ، وهو التعريف السابق كقوله تعالى : تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً « 5 » . أتى بأغرب ألفاظ القسم وهي التاء ، فإنها أقلّ استعمالا وأبعد من أفهام العامة بالنسبة إلى الباء والواو ، وبأغرب صيغ الأفعال التي ترفع الأسماء وتنصب الأخبار وهو « تفتأ » فانّ « تزال » أقرب إلى الافهام وأكثر استعمالا من « تفتأ » ، وبأغرب ألفاظ الهلاك وهو « الحرض » فاقتضى حسن الوضع أن تجاور كل لفظة بلفظة من جنسها في الغرابة توخيا لحسن الجوار ورغبة في ائتلاف الألفاظ لتتعادل في الوضع ، وتتناسب في النظم . ولما أراد غير ذلك قال : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ « 6 » فأتى بجميع الألفاظ متداولة لا غرابة فيها . وهذا التعريف والتمثيل له هو الذي ينبغي المصير اليه والتعويل عليه ليكون نوعا مستقلا مغايرا لمراعاة النظير ، أما التعريف الأول والتمثيل له فهما شاملان لمراعاة النظير « 7 » . ومن أمثلة هذا الفن قول المتنبي : على سابح موج المنايا بنحره * غداة كأنّ النّبل في صدره وبل فالسابح : الحصان ، فلما وصفه بالسباحة عقّبه بذكر الموج ، وذكر النبل وعقّبه بذكر الوبل لما كان يشبه النبل في شدة وقعه وسرعة حركته ، ثم واصل بين الوبل والموج لما بينهما من الملاءمة . ومن ذلك قول ابن رشيق القيرواني : أصحّ وأقوى ما رويناه في النّدى * من الخبر المأثور منذ قديم أحاديث ترويها السيول عن الحيا * عن البحر عن جود الأمير تميم فلاءم بين الصحة والقوة ، وبين الرواية والخبر ؛ لأنها كلها متقاربة في ألفاظها ، ثم قوله أحاديث تقارب الأخبار ، ثم أردفها بقوله السيول ، ثم عقبه بالحيا ؛ لأن السيول منه ، ثم عن البحر ؛ لأنه يقرب من السيل ، ثم تابع بعد ذلك بقوله : « عن جود الأمير تميم » فهذه الأمور كلها متقاربة ، فلأجل هذا لاءم
--> ( 1 ) الطراز ج 3 ص 146 . ( 2 ) خزانة الأدب ص 438 . ( 3 ) الاتقان ج 2 ص 88 . ( 4 ) القسي ؛ جمع قوس . وهي آلة رمي السهام . المعطفات ؛ المحنية الأسهم مبرية ؛ النبال منحوتة ؛ الأوتار ؛ جمع وتر ، وهو ما يشد بين طرفي القوس لينبض عند الرمي . ( 5 ) يوسف 85 . ( 6 ) النور 53 . ( 7 ) أنوار الربيع ج 6 ص 234 - 235 .